(لله دَرُّك يا زيد ............أيُّ رجلٍ أنتَ ؟!) محمد رسول الله .
الناسُ معادنُ خِيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام فإليك صورتين لصحابي جليل خطت أولاهما يد الجاهلية ، وأبدعت أخراهما أنامل الاسلام .
ذلك الصحابي هو ( زيد الخيل ) كما كان يدعوه الناس في الجاهلية و ( زيد الخير ) كما دعاه الرسول الكريم صلي الله عليه و سلم بعد إسلامه .
الصورة الأولى ترويها كتب الأدب فتقول:
حكى الشيباني عن شيخ بني (عامر) قال: أصابتنا سنة مُجدبة هلك فيها الزرع و الضرع، فخرج رجلُ منها بعياله الي الحيرة و تركهم فيها، و قال لهم: انتظروني هنا حتى أعود اليكم .
ثم أقسم الا يرجع إليهم الا إذا كسب لهم مالا أو يموت .
ثم تزوّد زادًا و مشى يومه كله حتى إذا أقبل الليل و جد أمامه خباء و بالقرب من الخباء مهر مُقيّد فقال: هذا أول الغنيمة ، و توجه إليه و جعل يَحُل قيدَه، فما أن همّ بركوبه حتى سَمع صوتا يناديه : خَلِّ عَنهُ و اغنمْ نفسك ، فتركه و مضى.
ثم مشى سبع أيام حتى بلغ مكانا فيه مراحا للإبل، و بجانبه خَباء فيه قبة من جلد تُشير إلى الثراء و النعمة ، فقال في نفسه: لابد لهذا المراح من إبل، و لابد لهذا الخباء من أهل .
ثم نظر في الخباء و كانت الشمس تدنو من المغيب فوجد شيخا فانيا في وسطه ، فجلس خلفه و هو لا يشعر به .
و ماهو إلا قليل حتى غابت الشمس، و أقبل فارس لم يُرى قط فارس أعظم منه و لا أجسم ، قد ٱمتطى صهوةَ جواد عال و حوله عبدان يمشيان و عن يمينه و عن شماله و معه نحو مائة من الإبل أمامها فحْل كبير، فبَرَك الفحل، فبرَكت حوله النوقُ .....و هنا قال الفارس لأحد عبديه: احلِبْ هذه و أشار إلى ناقة سمينة و اسقِ الشيخَ فحلب منها حتى امتلأ الاناء، و وضعه بين يدي الشيخ و تنحّى عنه، فجرع منه الشيخ جرعة أو جرعتين و تركه. قال الرجل:
فدببت نحوه متخفيا، و أخذت الإناء و شربت كل ما فيه فرجع العبد و أخذ الإناء و قال:
يا مولاي لقد شربه كلَّه ، ففرح الفارسُ و قال :
احلب هذه و أشار إلى ناقة أخرى و وضع الإناء بين يدي الشيخ فجرع منه الشيخ جرعة واحدة و تركه ، فأخذته ،و شربت نصفَه و كرِهتُ أن آتيَ عليه كلَّه حتى لا أُسيّرَ الشك في نفس الفارس .
ثم أمر الفارس عبده الثاني أن يذبح شاة ، فذبحها فقال اليها الفارس و شُويَ للشيخ منها ، و أطعمه بيديه حتى شَبِع جعل يأكل هو و عبداه و ما هو إلا قليل حتى أخذ الجميع مضاجعهم ، و ناموا نوما عميقا له غطيط .
عند ذلك توجهتُ إلى الفحل و حَللْتُ عقالَهُ و ركَبتُه ، فاندفع و تبَعتهُ الإبلُ و مشيتُ ليلتي . فلما أسفر النهار نظرت في كل جهة فلم أر أحدا يتبعني فاندفعت في السير حتى تعالى النهار .
ثم التفتُّ التفاتةً فإذا أنا بشيء كأنه نسر أو طائر كبير ، فما زال يدنو مني حتى تبينته فإذا هو فارس على فرس ، ثم لايزال يقبل علي حتى عرفت أنه صاحبي جاء يَنشُدُ إبله.
عند ذلك عقلتُ الفحل و أخرجت سهما من كِنانتي و وضعته في قوسي ، و جعلتُ الإبل خلفي ، فوقفَ الفارس بعيدا ، و قال لي : احلُلْ عقالَ الفحل
قلت : كلا .
لقد تركت ورائي نسوة جائعات ( بالحيرة ) و اقسمت ألا أرجع اليهن الا معي مال أو أموت .
قال: إنك ميت .....احلل عقال الفحل ...........لا أبا لك .
فقلت: لن أحله .......
فقال : ويحك إنك لمغرور ......
ثم قال دَلِّ زمام الفحل و كانت فيه ثلاث عقد ثم سألني في أي عقدة منها أريد أن يضع لي السهم ، فأشرت في الوسطى فرمى السهم فأدخله فيها حتى لكأنما وضعه بين يديه، ثم أصاب الثانية و الثالثة .....
عند ذلك، أعدتُ سهمي إلى كِنانتي و وقفتُ مستسلما، فدنا مني و أخذ سيفي و قوسي، و قال : اركب خلفي ، فقال:
كيف تظن أني فاعل بك ؟
فقلت : أسوأ الظن .
قال : و لِمَ ؟
قلت : لما فعلته بك و ما أنزلته بك من عناء و قد أظفرك الله بي .
فقال : أَوَتظنُّ أني فاعل بك سوء * مُهلهلا * ءيعني أباه – في شرابه و طعامه و نادمته تلك الليلة ؟!!!.
فلما سمعتُ اسم *مُهلهل* قلت :أزيد الخيل أنت ؟.
قال : نعم .
فقلت : كن خير أسر .
فقال : لا بأس عليك و مضى إلى موضعه و قال :
و الله لو كانت هذه الإبل لي لسلمتها إياك و لكنها لأخت من إخواتي ، فأقم عندنا أياما أنا على وشك غارة قد أغنم منها .
و ما هي إلا أيام ثلاثة حتى أغار على بني ( نمير ) فغنم قريبا من مائة ناقة فأعطاني إياها كلها ، و بعث معي رجالا من عنده يحمونني حتى وصلت ( الحيرة ) .
تلك كانت صورة زيد الخيل في الجاهلية، أما صورته في الإسلام فتجلوها كتب السِيَر فتقول:
لما بلغت أخبار النبي صلي الله عليه و سلم سمعَ زيد الخيل و وقف على شيء مما يدعو إليه ، فأعد راحلته و دعا السادة الكبراء من قومه إلى زيارة ( يثرب ) و لقاء النبي صلى الله عليه و سلم فركب معه وفد كبير من (طيئ) فيهم زر بن سدوس ، و مالك بن جبير ، و عامر بن جوين ، وغيرهم و غيرهم ، فلما بلغوا المدينة توجهوا إلى المسجد النبوي الشريف و أناخوا ركائبهم ببابه .
و صادف عند دخولهم أن كان الرسول صلى الله عليه و سلم يخطُب في المسلمين من على المنبر فراعهم كلامه و أدهشهم تعلقَ المسلمين به ، و إنصاتهم له ، تأثرهم بما يقول :
و لما أبصر الرسول صلى الله عليه و سلم يخاطب المسلمين : ( إني خير لكم من العُزَّى و من كل ما تعبدون ........
إني لخير لكم من الجمل الأسود الذي تعبدونه من دون الله ).
* * *
لقد وقع كلام الرسول صلى الله عليه و سلم في نفس زيد الخيل و من معه موقعين مختلفين فبعض استجاب للحق و أقبل عليه و بعض تولى عنه و استكبر عليه .......
فريق في الجنة و فريق في السعير
أما ( زر بن سدوس ) فما كاد يرى الرسول صلى الله عليه و سلم في موقفه الرائع تحفه القلوب المؤمنة و تحوطه العيون الحانية حتى دب الحسد في قلبه و ملأ الخوف فؤاده ، ثم قال لمن معه :
إني لأرى رجل ليملكن رقاب العرب ، و الله لا أجعله يملك رقبتي أبدا........ ثم توجه إلى بلاد الشام و حلقَ رأسه و تنصّر .
و أما زيد و الأخرون فقد فكان لهم شأن أخر فما أن انتهى الرسول صلى الله عليه و سلم من خطبته حتى وقف زيد الخيل بين جموع المسلمين و كان من ىجمل الرجال جمالا و أتمهم خلقة و أطولهم قامة حتى أنه كان يركب الفرس فتخبط رجلاه على الأرض كما لو كان راكبا حمار ........
وقف بقامته الممشوقه ، و أطلق صوته الجهير و قال : يا محمد أشهد أن لا إله إلا الله و إنك رسول الله .
فأقبل عليه الرسول الكريم صلى الله عليه و سلم و قال : من أنت ؟.
قال : أنا زيد الخيل بن مُهلهل .
فقال له الرسول صلى الله عليه و سلم : بل أنت زيد الخير ، لا زيد الخيل ..
الحمد لله الذي جاء بك من سهلك و جبلك و رقَّق قلبَك للإسلام ).
فعرف بعد ذلك بزيد الخير ....
ثم مضى به الرسول صلي الله عليه و سلم إلى منزله و معه عمر بن الخطاب و لفيف من الصحابة فلما بلغوا البيت طرح الرسول صلى الله عليه و سلم لزيد متكأ ، فعظم عليه أن يتكئ في حضرة الرسول صلى الله عليه و سلم و ردّ المتكأ و مازال يعيده الرسول صلى الله عليه و سلم له و يرده ثلاث .
و لما استقر به المجلس قال الرسول صلى الله عليه و سلم لزيد :
( يا زيد ما وصف لي رجل قط ثم رأيته إلا كان دون ما وُصف به إلا أنت).. ثم قال له : ( كيف أصبحت يا زيد ) ؟.
قال زيد : أصبحت أحب الخير و أهله و من يعمل به .
فإن عملت به أيقنت بثوابه و أن فاتني منه شيئا حننت إليه .
فقال صلى الله عليه و سلم : ( هذه علامةُ الله فيمَن يُريد ) .
فقال زيد : الحمد لله الذي جعلني على ما يُريد الله و رسوله .
ثم التفت إلى النبي صلي الله عليه و سلم و قال له :
اعطني ثلاثمائة فارس ، و أنا كفيل لك على أن أُغير بهم على بلاد "الروم" و ( أنال ) منهم .
فأكبر الرسول صلى الله عليه و سلم همته هذه و قال له :
( لله درك يا زيد ......أي رجل انت ؟!).
ثم أسلم مع زيد جميع من صَحَبه من قومه .
و لما همَّ زيد بالرجوع هو و من معه إلى ديارهم في ( نجد ) ودّعه النبي صلى الله عليه و سلم و قال :
( أيُّ رجل هذا ؟!...قال زيد : أصبحت أحب الخير و أهله و من يعمل به .
فإن عملت به أيقنت بثوابه و أن فاتني منه شيئا حننت إليه .
فقال صلى الله عليه و سلم : ( هذه علامةُ الله فيمَن يُريد ) .
فقال زيد : الحمد لله الذي جعلني على ما يُريد الله و رسوله .
ثم التفت إلى النبي صلي الله عليه و سلم و قال له :
اعطني ثلاثمائة فارس ، و أنا كفيل لك على أن أُغير بهم على بلاد "الروم" و ( أنال ) منهم .
فأكبر الرسول صلى الله عليه و سلم همته هذه و قال له :
( لله درك يا زيد ......أي رجل انت ؟!).
ثم أسلم مع زيد جميع من صَحَبه من قومه .
و لما همَّ زيد بالرجوع هو و من معه إلى ديارهم في ( نجد ) ودّعه النبي صلى الله عليه و سلم و قال :
( أيُّ رجل هذا ؟!...قال زيد : أصبحت أحب الخير و أهله و من يعمل به .
فإن عملت به أيقنت بثوابه و أن فاتني منه شيئا حننت إليه .
فقال صلى الله عليه و سلم : ( هذه علامةُ الله فيمَن يُريد ) .
فقال زيد : الحمد لله الذي جعلني على ما يُريد الله و رسوله .
ثم التفت إلى النبي صلي الله عليه و سلم و قال له :
اعطني ثلاثمائة فارس ، و أنا كفيل لك على أن أُغير بهم على بلاد "الروم" و ( أنال ) منهم .
فأكبر الرسول صلى الله عليه و سلم همته هذه و قال له :
( لله درك يا زيد ......أي رجل انت ؟!).
ثم أسلم مع زيد جميع من صَحَبه من قومه .
و لما همَّ زيد بالرجوع هو و من معه إلى ديارهم في ( نجد ) ودّعه النبي صلى الله عليه و سلم و قال :
( أيُّ رجل هذا ؟!...
كم سيكون له من الشأن لو سَلِم من وباء المدينة !!) .
و كانت المدينة المنورة آنذاك موبوءة بالحمى ، فما أن بارحها زيد الخير حتى ىصابته فقال لمن معه:
جنّبوني بلاد ( قيس) فقد كانت بيننا حماسات من حماقات الجاهلية و لا و الله لا أقاتل مسلما حتى ألقى الله عز و جل .
* * *
تابع زيد الخير سيْره حتى ديار أهله في ( نجد ) على الرغم من أن وطأة الحمى كانت تشتد عليه ساعة بعد أخرى فقد مان يتمنى أن يلقى قومه و أن يكتب الله لهم الاسلام على يديه .
و طفق يسابق المنية و المنية تسابقه لكنها ما لبثت أن سبقته فلفظ أنفاسه الأخيرة في بعض طريقه و لم يكن بين إسلامه و موته متسع لأن يقع في ذنب .
* * *
رحم الله زيْدُ الخيرِ و أنر له قبره و أسكنه فسيح جناته
إنه ولي ذلك و القادر عليه .

ليست هناك تعليقات :